باكلا ….. التاجر الحضرمي 1/ ؟؟؟
كتبهاsimple-abady ، في 12 مايو 2008 الساعة: 12:08 م
كان رجلاً في الثلاثين من عمره
باكلا …. حضرمي الأصل، تاجر
ذو بشرة داكنة اللون … ليس بالجميل تماماً … لكنه لم يكن قبيح التقاسيم.
اعتمر عمامته الحضرمية الخضراء …. بعد أن توضأ لصلاة الفجر
لم يكن ممن يقوم الليل … وكيف له أن يفعل وهو مشغول منذ صلاة الفجر الى ما بعد صلاة العشاء.
كان قليل الكلام كثير التبسم …. تراه في أغلب أحيانه وهو يحمل محبرة وأوراقاً بالية يكتب له دخولاته فيها أحد أبنائه أو امام مسجد السوق ويسجل فيها دائنيه ومدينيه.
صلى الفجر في المسجد المجاور مأموماً ثم جلس برهة من الوقت يتلو بعض الأذكار المبعثرة والتي لم تكن في حقيقتها أكثر من تسابيح جمعها في أوقات الخلوات ومن على رؤوس المنابر.
كانت أذكاره خليط من الثناء العاطر على الله وبعض الدعوات بالهداية والتوفيق وسعة الرزق وحفظ الصحة وكان يصر على قراءة المعوذتين وسورة " قل هو الله أحد" كما يسميها وكم حاول أن يحفظ أواخر سورة البقرة الا أنه لم يحالفه الحظ.
بعد أن انهى باكلا تلاوة أذكاره في مصلى القرية الصغيرة، انطلق الى السوق … يزعب فوق ظهره صرةً كبيرة تكاد يداه أن تعجزان عن الإمساك بتلابيبها
صرته الكبيرة كانت أشبه ما تكون ببقالة صغيرة فيها البن والهيل والمسمار وفيها عطور نسائية بالية وأكياسٌ صغيرة كانت زوجته " مسفرة" تملأها بمسحوق الحناء الحضرمي ليبيعها على نساء القرية.
الملح والسكر وبعض البهارات كانت هي الأخرى تصطف في علب خشبية او معدنية صغيرة فقد كان يبيعها بالأوقية مقابل أي شيء.
لم تكن تجارة باكلا تدر عليه دخلاً يكفي ليعول أسرته المكونة من زوجتين وعشرة أبناء. ابنه الأكبر "عمر" لا يجاوز الثانية عشرة يعاني من خبلٍ في عقله يحبسه في البيت لا يخرج إلا ليرى الشمس ساعة من النهار بصحبة جدته لأبيه.
كان بيته مليُْ بالحركة الدؤوب … فهذه زوجته الأولى مشغولة بجلب الحطب وتفقد الماشية وطهو الطعام
زوجته " عسله " والتي لم يكن لها الحظ الكافي من اسمها كانت متخصصة في الاهتمام بمزرعة صغيرة تدر على الأسرة بعض الحبوب كالشعير والحنطة وقد يعن لها أن تزرعها سمسماً أو برسيماً في بعض المواسم.
أبناءه العشرة كانوا هم الأخرون يعملون
فصالح … والذي يبلغ من العمر ثمانية أعوام كان يساعد أباه في الدكان الصغير بينما فاطمة كانت تسرح بالأغنام الى سفح الجبل في الصباح ثم تعود بعيد العصر لتساعد أمها في طهو طعام العشاء.
كان باكلا دائم التفكير في أبنائه، فقد كانوا يزيدون اثنين في كل عام ولم يكن دخل دكانه الصغير يفي بنصف احتياجهم.
ماذا أفعل … يألهي ساعدني … هذا ما كان يتمتم به باكلا عند باب دكانه وهو ينظر الى السوق يموج بحركة البيع والشراء.
وبينما كان باكلا منشغلاً بتفكيره وهو يرص بضاعته على رفوف خشبية بالية في داخل دكانه إذا بصديقه " العمودي" يقف باب الدكان "
السلام عليكم
التفت باكلا الى الرجل الذي بدا غريباً في نظره لأول وهله، فقد بدا وكأنه رجل من أهل اليسار وسعة الرزق فلباسه جديد ونضرة النعيم تبدو على محياة الأسمر
تبين باكلا وجه ضيفه الواقف بعتبة باب الدكان…. انه العمودي.
قفز باكلا بخفة من فوق صندوق الحساب واحتضن صديقه في لهفه
أمسكه بكلتا يديه وأوقفه أمام وجهه وكأنه يتأمل تقاسيمه القديمه
انه أنت يا إلهي … ثم ارتمى في أحضانه مرة أخرى
أين أنت يا أبا محمد؟
لقد سافرت
أعرف ولكن يعلم الله أنني في شوق وحنين لأسمع صوتك وأتحدث إليك
ثلاث سنوات، هل تصدق؟
لقد سافرت الى الهند وجاوه
ما شاء الله
وبشر … عسى أمورك طيبة؟ وكيف بقية الأخوة الذين سافروا معك " با دحدح" " العمودي"
كلهم بخير ….
وهل رجعوا معك؟
البعض منهم
وأين الباقون؟
لقد استقر بهم المقام هناك
فقد تزوج " باصالح" من فتاة جاوية"
أوقد فعلها؟ … أعرفه يحب الزواج ولكنه … رجل يستحق كل الخير
صدقت والله
ولكن أنت كيف حال عمتي " مليحة" والدتك
بخير … اسأل الله أن يحسن لها الختام.
وكيف زوجتيك .. عسلة ومسفرة … هل ما زالت عسلة كعادتها لا يعجبها العجب؟
ضحك باكلا … وهو يتذكر كيف مرت السنون ويتذكر كم من مرة أصلح هذا الصديق بينه وبين زوجته عسله
الحمد لله الوضع كما كان عليه والحال مستورة ولله الحمد ونحن في نعمة وخير
لا يبدو الأمر كذلك يا باكلا؟ اسمعني أنا سأساعدك …
أرجوك. أنت تعرف أنني لا أحب أن أستدين من أحد
أعرف أعرف
ولكن المسألة ليست ديناً
انها تجارة
سكت باكلا قليلاً ثم أمسك بلحيته ومسح على وجهه بيده الأخرى
وقال: ان كان الأمر كذلك فلا بأس. ولكن على ألا يتطلب الأمر رأس مالٍ كبير
فأنا كل ما لدي هو هذا الدكان
لا الأمر لا يحتاج منك الا الى جهدك الشخصي ….. وااااا
هاااه …. يا خوفي من هذي الواااااا
والسفر
السفر؟ الى أين؟
الى جاوه
وماذا أفعل هناك؟
سنتناقش ذلك في التفاصيل لاحقاً واسمح لي الان لأنصرف الى بقية الأصدقاء فأنا في شوق للقائهم والحديث معهم
في رعاية الله.
رجع باكلا الى دكانه ساهماً وهو يردد بصوت خفيض … ما شاء الله يالعمودي بارك الله لك، يبدو أنه في حال طيبة
ولكن السفر …. الى اندونيسيا؟
غربت شمس ذلك اليوم فخرج باكلا كعادته من دكانه الصغير مع أذان المغرب وأغلق بابه واتجه الى المسجد
صلى المغرب جماعة في مصلى السوق ثم حمل نفسه تتثاقل به الخطى الى بيته وكلما اقترب من البيت
زادت خطاه تثاقلاً وهو يتمنى أن لا يصل اليه
لم يكن باكلا يكره أهله … بل كان يشعر أنه يحبهم كثيراً ولكنه لا يستطيع أن يقدم لهم ما يكفي من حوائجهم التي لم تكن كثيرة ولكنها ضيق ذات اليد
كان منظر أبناءه وهم يلوكون الخبز الجاف يؤلمه كثيراً بينما يرى بعض جيرانه يأكلون اللحم ويأتدمون بالعسل والسمن
عسله كانت تزيد من ألمه حين تذكره بفقرهم وتقارنه بغيره من جيرانه
وصل باكلا الى البيت
السلام عليكم
ردت زوجته مسفرة وعليكم السلام
حياك الله يا باكلا
الله يسلمك
بشر كيف الدكان اليوم
لا جديد
الله يجيب اللي فيه الخير وطالما أنت طيب فنحن بخير والحمد لله
ردت عسله … وقد كانت تنثر ربطة من القضب …. من فين يجي الخير …. ونحن لنا أكثر من الشهر لم نأكل لحماً أو نأتدم بسمن أو عسل الا ما تجود به أيادي الجيران.
انتهرها باكلا …. تكفين فكيني منك.
ثم غرق في تفكيره من جديد
أيقظ تفكيره بكاء طفله ذو الثلاثة أشهر
وصاح بأمه عسله ….
انتبهي للولد
ذهبت اليه وهي غاضبة …ألقمته ثديها بعد أن عالجته بضربة على كفه الصغيره …. بكى الطفل قليلاً الا أن قرص الجوع قد أنساه معنى العتب فأصبح يبحث عن ثدي أمه العائم على صدرها
مساكين هم أطفال الفقراء …. تنسيهم أولويات الحياة معانٍ كثيرة كالحب والعتب والابتسامة. ومن تكون أمه مشغولة بلقمة العيش لا تجد متسعاً من الوقت لترف الحب ومعاني الدفْ والحنان.
أحضرت له زوجه مسفرة عشاءه، قطعة من الخبز البائت ودلة من القهوة المرة.
نام باكلا ليلته تلك … أو بالأحرى استلقى على جنبه فوق حصير غرفة المعيشة بعد أن التف ببشته وأوثق ربط عمامته حول رأسه
حاول أن ينام الا أن كلام العمودي ما زال يدوي في رأسه
السفر
اندونيسيا
التجارة
لم يعرف باكلا كيف يفكر وما الذي يجب أن يقوله لصديقه غداً حين يعود إليه
بكاء أطفاله وحالة بيته المزرية وكلمات عسله ما تزال ترن في أذنيه
يا رب … ساعدني
فكر ملياً
اذا لم أسافر لن يتغير شيء … سيبقى البيت والفقر وبكاء الصغار وصياح عسله … الدكان لا يمكن أن يفي بما تطلبه هذه الأفواه الجائعة.
ولكن …. من سيبقى مع أهلي
وأمي هل أثق في أنها …. ستبقى حية الى أن أعود؟
أليس هناك حلٌ لهذا الفقر … أليس هناك من طريق أخر
تذكر كيف أصبح جاره " سالم" من أصحاب الأموال … بعد أن توجه الى طريق الحرام … لقد كان يغش بضاعته ويبيع بالحلف الكاذب
تذكر كيف أنه حاول أكثر من مرة ليكون شريكاً له الا أن باكلا … كان يرفض في كل مرة …. ويتجه بعد كل عرض الى السماء يستغيث بالله ليعصمه من هذا الطريق.
هكذا هي الحياة …. لا تعطيك حتى تسلبك ولا تمد اليك يدها الا حين تكون مليئة بالشوك.
بعد هذا الحديث مع النفس اتخذ باكلا القرار الصعب
سأسافر ….
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب وفن | السمات:أدب وفن
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مايو 12th, 2008 at 12 مايو 2008 8:17 م
سعادتي بعودتك منعتني من أن
أقرأ حرفاً مما كتبت
الحمد لله على السلامة ياخوي ..
أقلقنا غيابك وانقطاعك ..
لي عودة بإذن الله بعد القراءة ..
تحياتي
مايو 21st, 2008 at 21 مايو 2008 12:24 ص
أخي ..
أولا افتقدناك فقد غبت طويلا جدا ..
بعد قراءة القصة ..
دخلت في حياة الفقير دخولا عجيبا ..
و تصورت لو للحظة كيف يعاني الفقراء ..!!
القرار غالبا صعب .. وفي اتخاذه شجاعة !!.
دمت بخير .
مايو 22nd, 2008 at 22 مايو 2008 2:15 م
كلللللللللللللللووووووووووووووووووووش …
الحمد لله ع السلامة ياابو باسل
من طول الغيبات جاب الغنااايم
قلقنا عليك ..بس الحمد لله على عودتك
**********************************
قصة جمييلة اسلوبك جعلني أقرأ كل حرف فيها بكل حواسي واستشعرت ذلك الموقف بكل جوانبه..
وهكذا هي الحياة..لابد من الكفاح والمعاناة..ولكن السعيد من يرضى بما رزقه الله ويأخذ بالاسباب
***********************************
الله يوفق الحضارم ويجزاهم عننا كل خير يارب…بالفعل هم اشخاص عظماء ،كيف لا وهم من ساعدوا على نشر الدين الاسلامي في اندونيسيا وشرق آسيا باخلاقهم الرفيعه ومعاملتهم الطاهرة……..
مايو 28th, 2008 at 28 مايو 2008 10:05 م
عــوداً حميداً
الله يفتح على باكلا
ان شاء الله
يونيو 16th, 2008 at 16 يونيو 2008 4:49 ص
السلام عليكم
هلا عبادي كيف الحال و الله اشتقنالك يا خوي
أسفة ما سالت عنك كل المدة الي فاتت على خاطر قاعدة نحضر للباكالوريا
عبادي ادعيلي بالنجاح و التوفيق
على كل حال طلعت احسن منك و سالت
يلا باي و سلملي على كل اهل السعودية و خصوصا تسنيم الصغيرة
يونيو 18th, 2008 at 18 يونيو 2008 4:19 م
أبو باسل ..
وينك يا أخي ..
هذا كله والبيع عاده ما بدأ .. كيف بعدين .. ؟؟؟؟
نبيك تمرنا الشرقية , فيه زبون يحتاج نروح له سوا
منور كالعادة ..
يوليو 1st, 2008 at 1 يوليو 2008 11:59 ص
أرحب بك وبقرائك لمتابعة يوميات رحلاتي الأخيرة إلى الصين وهونج كونج بالكلمة والصورة.
ابن بطوطة
يوليو 29th, 2008 at 29 يوليو 2008 9:00 م
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله
جميلة القصة جدا
ممكن تزور مدونتى وتنقذ قلمى من المى وتزرع املى؟؟؟؟