السفر إلى اندونيسيا
بعد ليلة عصفت بباكلا فيها الهموم …
اتخذ قراره الصعب للسفر إلى اندونيسيا
أحس أنه في طريق لا يعلم إلى أين سينتهي به …
طافت عليه خيالات أيامه ولياليه في حضرموت وفي قريته الصغيرة كشريط الصور
تذكر أمه وأطفاله….. تذكر أيام طفولته … وشبابه ومغامراته العاطفية في سنيه الخوالي
تذكر أباه وأمه …. ألعابه الصغيرة
هو الان يبلغ من العمر ثلاثاً وثلاثين … رحلة جديدة مستقبل مجهول … مغامرة لم يجرب مثلها من قبل
وبينما هو غارق في أفكاره تلك اذا بصوت المؤذن … حي على الصلاة حي على الصلاة
فتح باكلا عينيه واعتدل في جلسته …. ردد مع المؤذن … حي على الفلاح … حي على الفلاح …
صاح يا عيال … هيا قوموا الى الصلاة … أحضروا لي الماء للوضوء
استيقظت زوجه …. مسفرة كعادتها وأقبلت اليه …. صباح الخير …
صباح النور
توضأ وهو ينظر بين الفينة والفينة الى الأفق … الى الشرق … هناك وفي مكان بعيد ربما وراء الأفق … بلادٌ يسمونها جاوه … هناك وفي جهة الشرق …. أحلام … وأمنيات … هناك المجهول … الخوف من الغربة!!!
الى هناك …. سأذهب …. يارب اختر لي الخيرة الصالحة.
مسح ذراعيه ووجهه بطرف عمامته التي لم تكن قد فارقت مكانها فوق رأسه منذ ليلة البارحة ثم توجه الى المسجد الصغير، صلى ركعتين، سنة الفجر
رفع يديه الى السماء ورفع رأسه داعياً يا رب ان كان في سفري هذا خير فيسره لي وبارك لي فيه
اللهم اني استخلفك في أمي وزوجاتي وعيالي
أحس بقشعريرة تسري في جسده وهو يشعر بضعفه وحاجته … ربما لخوفه من المجهول
يا رب ….
يا رب
مسح وجهه بيديه … ثم اتجه كعادته الى السوق ….
أقبل اليه صديقه العمودي …
السلام عليكم
وعليكم السلام …
جلس العمودي على كرسي خشبي أمام الدكان الصغير
احتسى معه فنجاناً من الشاي ….
العمودي: هل فكرت في الأمر
باكلا: لم أستطع النوم
العمودي: سلمات عليك
باكلا: يا أخي القرار صعب والبقاء على هذه الحال أصعب
لا عليك … الله سبحانه موجود … وإذا كان قد كتب لك رزقاً في ذلك البلد فستأخذه
هز باكلا رأسه … وهو ينكث الأرض بعود صغير في يده…
فهم صديقه أنه قد قرر الرحيل
العمودي: باكلا … موعدنا بعد اسبوعين من الان
ستأتي السفينة وتنقلنا الى هناك
ولكن …
قاطعه العمودي … تدبر أمر أهلك ودكانك ….
يا إلهي … الوقت يمضي بسرعة … وانا لم أفعل شيئاً
أغلق دكانه … وللمرة الأولى قبيل صلاة الظهر … عاد الى البيت يحث الخطى هذه المرة
كانت مفاجئة لأهله أن يرونه في هذا الوقت، الا أنه لم يترك لهم المجال للسؤال
جمعهم جميعاً
مسفرة، عسلة أبناءه العشرة … حتى الصغير … حرص على أن يكون أمامه … ينظر اليه
الوجوه واجمة والعيون تترقب … ماذا دهى أبانا
أقبل باكلا على أمه … أمسك يدها … قبلها …. ثم انحنى على رأسها ولثمه …. لم تكن تستطيع أن تسمع الا أنها كانت أكثر الحاضرين فهماً لما يجري …
قالت بصوتها الضعيف وهي تغطي عينيها بيدها المرتعشة لا يا بني لا تتركنا
ابق مع أهلك وأبنائك ….
أشارة بسبابته الى السماء
قالت: ونعم بالله … ثم غرقت في نشيجٍ محزن
كانت مسفرة … تبكي في صمت وهي تحضن ابنتها
عسله …. وربما للوهلة الأولى منذ قدومها الى هذا البيت كزوجة ثانية … تشعر بحياء يمنعها من السؤال
لقد كان الموقف صعباً على الجميع … باكلا تغرورق عيناه بالدموع وهو ينتقل من طفل الى أخر يلثمه يتأمل فيه … يضمه إلى صدره













